رقم الخبر: 284760 تاريخ النشر: حزيران 21, 2020 الوقت: 14:15 الاقسام: ثقافة وفن  
النثر المكتوب في ايران يجتاز مراحل كبيرة من التطور(2-2)
بلاغة في البيان والحكمة

النثر المكتوب في ايران يجتاز مراحل كبيرة من التطور(2-2)

النثر الفارسي المعاصر لا مثيل له طوال الفترات السابقة، وقد جمعت فيه كافة خصائص الجمال والروعة وسلاسة الاسلوب وسلامة الذوق ووضوح الهدف. بل يمكن ان نعّد المرحله الراهنة في الادب الفارسي مرحلة النثر

النثر الفارسي بعد الاسلام

ليس هناك تاريخ دقيق لبدء ظهور النثر باللغة الفارسية الحديثة (الدرية)، غير ان اقدم النماذج المتوفرة من هذا النثر تعود الى العصر الساماني (261 ـ 390 هـ / 874 ـ 999 م). واقدم كتاب وصلنا بهذه اللغة كان في تفسير القرآن الكريم للمتكلم المعتزلي الشهير ابي علي الجبائي (235 ـ 303 هـ) كما تعد رسالة الحكيم ابي القاسم السمرقندي (ت 343 هـ) في عقائد الحنفية من اقدم الرسائل المكتوبة بهذه اللغة.

وهناك كتب اخرى وصلت الى ايدينا تقع في صدر الآثار الاولى المكتوبة باللغة الفارسية الحديثة في العهد الاسلامي ومنها مقدمة شاهنامة ابي منصوري وهي ما تبقى من الشاهنامة التي ألفها ابو منصور محمد بن عبد الرزاق في 346 هـ و«تاريخ البلعمي» وهي الترجمة الفارسية لـ«تاريخ الرسل والملوك» لمحمد بن جرير الطبري، وكتاب «حدود العالم من المشرق الى المغرب» لمؤلف مجهول، و«الابنية عن حقائق الادوية» لعلي الهروي، و«دانشنامه علائي»لابن سينا، والترجمة الفارسية لكتاب «التفهيم» لابي الريحان البيروني، والكتب الثلاثة لناصر خسرو العلوي وهي: سفرنامة، وزاد المسافرين، ووجه دين.

ولابد ان نؤكد هنا ان هذه الآثار لا يمكن ان تكون بدايات الكتابات بالفارسية الجديدة. فلا يعقل ان لا تكون لها اي آثار خلال ثلاثة قرون، وليس من المنطقي ان تكون هذه الآثار قد ظهرت فجأة وبلا مقدمة في نهاية القرن الثالث الهجري، سيما وهي آثار ناضجة وذات اسلوب نثري متطور ينبىء عن انها لا يمكن ان تكون قد بدأت من الصفر، وانما هي محصلة مرحلة ليست بالقصيرة من التطور على صعيد اللغة والمادة النثرية.

وهنا لابد لنا من ان نؤشّر على نقطة مهمة. وهي ان الامراء السامانيين لم يقتصروا على تشجيع اللغة الفارسية واحتضان ادبائها. فالعلاقة القائمة آنذاك بين بخارى وبغداد، وارتباط البلاط الساماني بفقهاء العراق وخراسان، كانا يفرضان على هؤلاء الامراء الاهتمام بلغة القرآن والحديث الى جانب الاهتمام بالفارسية. ولهذا يمكن ان نقول ان اللغة العربية قد حظيت بنفس التشجيع الذي حظيت به الفارسية في العصر الساماني، بل وفاقتها في بعض المجالات كالفقه والحديث والكلام، وليس كما يدعي البعض من انّ امراء بخارى وسمرقند قد اهملوا اللغة العربية وعملوا على اضعافها وعدم افساح المجال لها.

ومن جملة الاسباب التي ادت الى تطور النثر الفارسي في هذه الفترة ايضا كثرة المصنفات العربية في علوم البلاغة والبيان والبديع، وانتشار الآثار العربية المنثورة والمنظومة باساليبها المتنوعة، فضلاً عن التأثر باسلوب القرآن الكريم الذي كان مصدر البلاغة العربية ومن ثم الفارسية. وقد ادت هذه العوامل بمجملها الى احداث ثغرة في السد القائم بين اللغتين الفارسية والعربية وفسح المجال امام ادباء الفارسية والعربية وفسح المجال امام ادباء الفارسية ـ لا سيما في الفترة اللاحقة ـ للاقتباس من العربية واستعمال مفرداتها ومصطلحاتها.

وكان النثر خلال العهد الساماني بسيطاً سلساً خالياً من التكلف والصناعة اللفظية والتعقيدات المعنوية. وكان وسيلة فقط لبيان المقصود، وليس للتباهي او التفاخر او اظهار الكفاءة الادبية من خلال تعقيد الكلام.

ويعد العهد السلجوقي وما تلاه عهد تألّق اللغة الفارسية والادب الفارسي، فقد ظهر كتاب وشعراء كبار وخرجت الى الوجود آثار قيمة في العرفان والادب والعلوم والتاريخ. وادى تأسيس المدارس النظامية في هذه المرحلة في بغداد وبلخ ونيشابور بأمر الوزير السلجوقي الخواجة نظام الملك الطوسي (1018 ـ 1092 م)، وجعل الالمام بالعربية شرطاً اساسياً من شروط القبول في هذه المدارس، وقوة نفوذ اساتذة وطلبة هذه المدارس، الى بروز اهتمام اكبر بالادب العربي وظهور ما عرف بـ«ثقافة اهل المدرسة» تلك التي تبلورت في ادب الكتاب والمستوفيين والوزراء منذ اواسط العهد السلجوقي. وتميزت بنثر فارسي ذي اسلوب عرف بالاسلوب العراقي ـ كما هو الحال في الشعر ـ يقوم على التلميح الى المعاني واستخدام تعابير ومصطلحات الادب العربي، والتمثّل والاستشهاد، بالامثال العربية والشعر العربي. وقد مثلت هذه الفترة احسن تمثيل الناثر الفارسي الشهر النظامي العروضي (ت 1174) مصنّف «جهار مقالة» اي «المقالات الاربع»، وهي مقالات في الشعراء والمنجمين والاطباء. وكان يؤكد على التبحر في اللغة العربية.

ورغم ما ذكرنا من هيمنة الاسلوب العراقي على شعر ونثر هذه المرحلة، لكن ظل النثر في اغلب آثار الاجزاء الشرقية من ايران ـ مهد اللغة الدريى ـ متميزاً باسلوبه الخاص الذي عرف بالاسلوب الخراساني، وهو نثر مرسل يحكمه عدد من القواعد ويولي اهمية للمعاني قبل الالفاظ.

وخلال الغزو المغولي لايران عام 616 هـ (1219 م) والذي حمل معه الدمار والخراب وألحق افدح الاضرار بالبلاد على شتى الاصعدة بما فيها الصعيد العلمي والادبي، قتل عدد كبير من العلماء والادباء. ورغم ذلك فان الادب ليس بناء من الزجاج كي يتحطم دفعة واحدة، بل ظل شامخاً يتألق رغم كل ما فعله المغول نظراً لمدى ما وصل اليه من قوة ولجذوره الممتدة في الاعماق. ليس هذا فحسب، بل قال النقاد واللغويون ان آثار القرنين السابع والثامن الهجريين من اعظم الآثار الادبية في اللغة الفارسية والتي حظيت بشهرة عالمية مثل «كلستان» و«بوستان» سعدي الشيرازي، و«مثنوي» جلال الدين الرومي، وديوان حافظ الشيرازي.

وفضلاً عن الشعر، فقد برز على صعيد النثر في هذه المرحلة ادباء وعرفاء كبار كالخواجة نصير الدين الطوسي الذي الف في الحكمة والرياضيات والكلام والادب، ورشيد الدين فضل الله الهمداني مؤلّف «جامع التواريخ» و«المكاتيب» وتسع عشرة رسالة في الكلام والعرفان، وعطا ملك الجويني صاحب «تاريخ جهانكشاي» في تاريخ المغول، وقطب الدين الشيرازي مؤلف «درة التاج» و«نهاية الادراك»، ونجم الدين الرازي مصنف «مرصاد العباد». وافضل الدين الكاشاني المعروف بـ«بابا افضل» صاحب المؤلفات الكثيرة مثل «مدارج الكمال» و«ره انجام نامة» و"مكتوبات".

وشهدت نهاية العهد المغولي هبوطاً في مستوى النثر الفارسي بتأثير الضربات الموجعة التي وجهها المغول، وانقراض جيل ادباء وكتاب المرحلة السابقة، وانحطاط مستوى الدراسة في المدارس التي كانت في السابق مركزاً لتخريج الادباء والفضلاء. فوقع النثر في ايدي من لاخبرة له ولا كفاءة، ودخل الكثير من المفردات المغولية والتركية اليه، مما اضفى عليه طابع التعقيد، وصعوبة الفهم، والحشو الممل، والتكلف في الالفاظ، سيما وانّ الاعمال السياسية وغيرها كانت تتم خلال هذه الفترة بلغة السيف لا بلغة القلم، ولم تكن لديهم من مهمة سوى كتابه رسائل التهديد الى العصاة والخارجين على طاعة الدولة.

وفي اعقاب العهد الصفوي نزع بعض الشعراء والكتاب الى تقليد القدماء في محاولة للخروج من المأزق الذي وصل اليه الادب الفارسي، واعادة الشعر والنثر الى سابق ما كانا عليه من ازدهار. فعلى سبيل المثال ـ ميرزا مهدي خان وعبد الرزاق الدنبلي اسلوب كتابي «تاريخ وصاف» و«تاريخ جهانكشاي»، وقلد قائم مقام فراهاني ونادر ميرزا اسلوب «كلية» و"تاريخ بيهقي".

ووجد هؤلاء المقلدون ان الاسلوب الادبي خلال القرنين السادس والسابع هو الاسلوب الافضل والمناسب للشعر والنثر فأوجبوا انتهاج هذا الاسلوب على الادباء. وقد عرفت هذه الحركة التصحيحية بـ"العودة".

وظهر في هذه الفترة كتّاب نالوا شهرة على الصعيد الادبي كأبي القاسم الفراهاني، وميرزا تقي خان المعروف بـ«امير كبير» والشيخ احمد روحي، وامير نظام غروسي، وميرزا محمد تقي سبهر، وميرزا ملك خان. وقد اخرج هؤلاء النثر الفارسي من شرانق التعقيدات اللفظية والمعنوية.

غير ان هذا الاتجاه نحو احياء النثر الفارسي قد ازداد قوة في عصر المشروطة (الثورة الدستورية) (1324 هـ / 1906 م)، مما سجّل تألقاً في النثر الفارسي. وقد ساعد على ذلك انتشار الصحف وترجمة الكتب الاجنبية وتوسع المعاهد العلمية والادبية.

ويمكن ان نقول ان النثر الفارسي قد اكتسب هوية جديدة جمعت بين الاصالة والتجدد، ساعد على بلورتها ذلك التحول السياسي والفكري والاجتماعي الذي احدثته الثورة المشروطة. واستمر هذا التطور حتى يومنا هذا، لا سيما بعد الانتصار العظيم الذي حققته الثورة الاسلامية المباركة على يد زعيمها الراحل الامام الخميني(قدس) وتأسيس نظام اسلامي على انقاض حكم عميل للاستكبار العالمي. وقد انعكست التحولات الجذرية التي احدثتها هذه الثورة على الادب الفارسي بشطرية النثر والشعر، فطبعته بملامح اسلامية واضحة ورسمت له طريقاً يفضي به الى الازدهار بعد ان اتت على كل الادغال والعواسج التي كانت تعترض تطوره.

النثر الفارسي المعاصر لا مثيل له طوال الفترات السابقة، وقد جمعت فيه كافة خصائص الجمال والروعة وسلاسة الاسلوب وسلامة الذوق ووضوح الهدف. بل يمكن ان نعّد المرحله الراهنة في الادب الفارسي مرحلة النثر. ونريد من هذا ان ايران لم تشهد ازدهاراً نثرياً على صعيدي المضمون والاسلوب كهذه المرحلة بالذات. وربما وفقنا الله تعالى لتناول النثر الفارسي المعاصر في مقال مستقل.

بقلم: عبدالرحمن العلوي  
  twitter linkedin google-buzz facebook digg afsaran
الکلمات المفتاحية
 
الرد علی تعلیقاتکم
تعليق
الاسم:
البريد الالكتروني:
التعليق:
 
captcha
الرقم السري:
الأکثر قراءة
الیوم
هذا الاسبوع
هذا الشهر
Page Generated in 0/1665 sec